محمود توفيق محمد سعد

75

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ويبين وجه الإتيان بالحمد من بعد البسملة وأنّ هذا من مراعاة النظير ، وهو هنا لا يكتفي بما جاء به في الأصل " نظم الدرر " بل يضيف إليه ما يوضحه يقول : " ولمّا كانت البسملة نوعا من الحمد ناسب كلّ المناسبة تعقيبها لتحصل التثنية باسم الحمد الكليّ الجامع لجميع أفراده ، مقترنا ب " لام التعريف " الدّالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله معرفا سبحانه وتعالى لعباده كيف يحمدونه بعلمه بعجزهم عن الإتيان بما يليق به سبحانه وتعالى ؛ لهذا قال سيد الأولين والآخرين صلّى اللّه عليه وسلم : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " فكأنّه قيل : احمدوه ؛ لأنّه المستحقّ لجميع المحامد وخصّوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم ، لما ذكر من استشعار الرّغبة إليه والرّهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى " « 1 » وقد عني في المختصر " دلالة البرهان " بتفصيل القول في مدلول مادة الحمد ( ق : 16 / ب ) وهو لم يفعل هذا في الأصل " نظم الدرر " في تفسيره سورة الفاتحة . وهو إذا ما كان في الأصل : " نظم الدرر " قد نقل مقالة " السعد التفتازاني " في وجه استفتاح خمس سور من القرآن الكريم بالحمد للّه فإنّه في المختصر " دلالة البرهان " يذكر ذلك إجمالا دون إشارة إلى مقالة " السعد " ( ق : 16 / أ ) وهو ينقل شيئا قليلا عن " الحرالّيّ " من تفسيره بينما يبسط النقل عنه في تفسيره ورسالته " المفتاح " في الأصل : " نظم الدرر " ويبين لنا وجه وصف اللّه عزّ وجلّ بقوله : " رب العالمين " وقد أفاض في بيان معنى العالمين ، ثمّ يقرر : " أنّ الإنس والجنّ عاجزون عن الإتيان بمثل البسملة والحمدلة ، بل وعن الإتيان بكلمة توازي كلمة من كلماتها ، وتغنى عنها في جميع مدلولاتها ، وكذا كلّ آية من آيات القرآن العزيز ، بل وكلّ كلمة لا يمكن أن يكون في معناها في أسلوبها والحال والذي اقتضاها ما يقوم مقامها ، ولو كان معدودا من المترادف . وهذا لا يعرفه إلا من تبحّر في علم الأدب لا سيّما مفردات اللغة ، وتحقق المقامات التي سيقت لها الآيات ، وما تقتضيه من الإجمال والتفصيل والمدح والذّم وغيرهما مراتب كلّ من ذلك ، أو تفهم ما ذكرته في تقليب المواد في أصل هذا الكتاب " « 2 »

--> ( 1 ) - السابق : ق : 14 / ب - 15 / أ ( 2 ) - السابق : ق : 23 / ب